في آخر أيام دور الـ32 من كأس العالم 2026.. الأرجنتين والرأس الأخضر في مواجهة التناقض الأكبر

في آخر أيام دور الـ32 من كأس العالم 2026، يلتقي في ميامي أكثر منتخبين تناقضًا في هذه البطولة: الأرجنتين، حاملة اللقب، التي لم تُفرّط في أي نقطة خلال دور المجموعات، في مواجهة الرأس الأخضر، أصغر دولة من حيث المساحة وعدد السكان تبلغ الأدوار الإقصائية في تاريخ كأس العالم.

على الورق، تبدو المباراة محسومة، لكن كرة القدم، وتحديدًا كأس العالم، لا تُقرأ من الورق وحده، فالتاريخ يعرف كيف يصنع المفاجآت حين يجتمع غرور القوة بجوع الضعيف.

أرقام ميسي التي تفوق الوصف

لم تكتفِ الأرجنتين بالفوز في مبارياتها الثلاث في دور المجموعات، بل قدّم قائدها ليونيل ميسي واحدًا من أكثر عروضه إثارة في مسيرته المونديالية.

سجّل النجم الأرجنتيني ستة أهداف في دور المجموعات وحده، ليصبح خامس لاعب في تاريخ المسابقة يحقق هذا الرقم في نسخة واحدة، والأول منذ الروسي أوليغ سالينكو عام 1994.

ورفع ميسي رصيده إلى 19 هدفًا في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، وهو رقم قياسي جديد، كما أصبح أول لاعب يسجل في سبع مباريات متتالية في البطولة، متجاوزًا الفرنسي جوست فونتين والبرازيلي جايرزينيو.

وجاء هدفه السادس من ركلة حرة مباشرة في الفوز 3-1 على الأردن، في ختام دور المجموعات، وهي مباراة خاضتها الأرجنتين بتشكيلة اعتمدت أساسًا على اللاعبين الاحتياطيين، ليؤكد ميسي أنه لا يعرف الراحة حتى عندما يكون الفريق في وضع مريح.

والرقم الأكثر دلالة أن ميسي ساهم في 75% من أهداف الأرجنتين في البطولة حتى الآن، ليتصدر سباق الحذاء الذهبي بالتساوي مع كيليان مبابي.

الرأس الأخضر.. من الحلم إلى صناعة التاريخ

في المقابل، تخوض الرأس الأخضر، وهي أرخبيل لا يتجاوز عدد سكانه 525 ألف نسمة، وتبلغ مساحته 4033 كيلومترًا مربعًا فقط، أول مشاركة لها في نهائيات كأس العالم، بعدما حسمت تأهلها التاريخي في 13 أكتوبر 2025 بفوزها 3-0 على إسواتيني، متصدرة مجموعتها في التصفيات الأفريقية بفارق أربع نقاط عن الكاميرون، بعدما حققت سبعة انتصارات في عشر مباريات.

ولم تتوقف القصة عند التأهل، ففي المجموعة الثامنة التي ضمّت إسبانيا وأوروغواي والسعودية، خرجت الرأس الأخضر بثلاثة تعادلات متتالية: 0-0 أمام إسبانيا لتحصد أول نقطة في تاريخها بالمونديال، ثم تعادل مثير 2-2 أمام أوروغواي بطلة العالم سابقًا، وأخيرًا تعادل سلبي أمام السعودية، لتنهي دور المجموعات في المركز الثاني خلف إسبانيا.

وبهذا الإنجاز، أصبحت أصغر دولة في التاريخ تبلغ الأدوار الإقصائية في كأس العالم، وهي تحتل حاليًا المركز الـ67 في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لذلك تُعدّ كل نقطة حققتها حتى الآن أشبه بمعجزة رياضية إذا ما قورنت بحجمها وإمكاناتها.

مجموعة بلا رحمة قبل موعد ميامي

بلغت الأرجنتين هذه المواجهة بعد دور مجموعات مثالي في مجموعة ضمّت الجزائر والنمسا والأردن.

واستهلت مشوارها بفوز مريح 3-0 على الجزائر، قبل أن تحقق انتصارًا آخر بنتيجة 3-1 على الأردن في الجولة الأخيرة، بتشكيلة اعتمدت في معظمها على اللاعبين الاحتياطيين، وهو ما أتاح للمدرب ليونيل سكالوني إراحة عناصره الأساسية استعدادًا للأدوار الإقصائية.

وحققت الأرجنتين العلامة الكاملة بثلاثة انتصارات من ثلاث مباريات، لتكون من بين ثلاثة منتخبات فقط أنهت دور المجموعات دون خسارة أي نقطة، وهو ما يعكس عمق تشكيلتها وثباتها الذهني، رغم اعتمادها الكبير على ميسي، الذي يتحمل وحده ثلاثة أرباع الإنتاج الهجومي.

وسُئل سكالوني أكثر من مرة عن هذا الاعتماد الكبير على قائده، فأكد أن الأمر لا يقلقه ما دام ميسي يقدم هذا المستوى من الحسم، غير أن مباراة كهذه أمام منافس منظم دفاعيًا قد تضع هذه الفلسفة أمام أول اختبار حقيقي في البطولة.

أين تكمن الثغرة المحتملة في درع الألبيسيليستي؟

رغم أن الاعتماد الكبير على ميسي يُعدّ مصدر قوة واضحًا، فإنه يحمل في طياته مخاطرة تكتيكية؛ فعندما يتحمل لاعب واحد ثلاثة أرباع الإنتاج الهجومي لفريقه، فإن أي خطة دفاعية ناجحة للحد من تأثيره قد تصيب هجوم الأرجنتين بالشلل.

وهنا تكمن فرصة الرأس الأخضر الحقيقية. فقد أثبت الفريق، خلال ثلاث مباريات متتالية أمام منافسين يفوقونه قوة، أنه يجيد الانضباط الدفاعي والعمل الجماعي، ونجح في الحفاظ على نظافة شباكه أو تقليص فرص خصومه إلى الحد الأدنى، خاصة أمام إسبانيا وأوروغواي.

وإذا نجحت الرأس الأخضر في تكرار الوصفة نفسها، عبر كتلة دفاعية منخفضة، وضغط جماعي على حامل الكرة، وتقارب الخطوط لمنع التمريرات بين المساحات، فقد تحول المباراة إلى معركة صبر طويلة، وهو السيناريو الوحيد الذي يمنحها فرصة، ولو كانت ضئيلة، لتحقيق مفاجأة مدوية.

والمفارقة أن اعتماد الأرجنتين الكبير على ميسي، الذي بدا حتى الآن مصدر قوتها الأكبر، قد يصبح في الوقت نفسه الثغرة التي تستغلها الرأس الأخضر إذا نجحت في تحييده خلال اللحظات الحاسمة.

ماذا لو تحققت المفاجأة؟

إذا نجحت الرأس الأخضر في إقصاء حاملة اللقب، فستكون واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ كأس العالم، بالنظر إلى الفارق الهائل في الحجم والإمكانات بين المنتخبين، وستدخل دولة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة التاريخ من أوسع أبوابه.

أما بالنسبة للأرجنتين، فإن الخروج المبكر من دور الـ32 سيكون بمثابة زلزال كروي، يثير علامات استفهام كثيرة حول اعتماد المنتخب شبه الكامل على لاعب يقترب من الأربعين، ويعيد فتح النقاش حول مرحلة ما بعد ميسي.

لكن حتى إذا انتهت المباراة بالسيناريو الأكثر ترجيحًا، أي بفوز أرجنتيني يواصل به ميسي كتابة التاريخ، فإن مجرد وصول الرأس الأخضر إلى هذه المرحلة يستحق الاحتفاء، فهو تذكير بأن كأس العالم، قبل أن يكون بطولة للعمالقة، هو احتفال بحلم كل أمة، مهما صغر حجمها.

هذه المباراة تختصر، في تسعين دقيقة، كل ما تعنيه كرة القدم: عبقرية فردية تطارد الخلود، وجماعية متواضعة تطارد المستحيل.

ومهما تكن النتيجة، فإن ميامي ستكون الليلة مسرحًا لواحدة من أجمل قصص هذا المونديال.