رغم الخروج المبكر والمخيب للآمال من بطولة كأس العالم 2026، تلقى المنتخب التونسي خبرًا إيجابيًا نسبيًا في ختام منافسات الدور الأول، بعدما ضمن رسميًا عدم إنهاء البطولة في المركز الأخير للترتيب العام، تاركًا هذه المرتبة للمنتخب العراقي عقب خسارته الثقيلة أمام السنغال بخماسية نظيفة.

وجاء هذا التطور بعد إسدال الستار على مباريات المجموعة التي ضمت العراق، حيث تلقى "أسود الرافدين" هزيمة قاسية بنتيجة خمسة أهداف دون رد أمام المنتخب السنغالي، في مباراة كشفت حجم الصعوبات التي واجهها المنتخب العراقي خلال مشاركته في النهائيات العالمية.

وبهذه النتيجة، أصبح المنتخب العراقي صاحب المركز الثامن والأربعين والأخير في الترتيب النهائي للمنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026، فيما نجح المنتخب التونسي في التقدم إلى المركز السابع والأربعين بفضل أفضلية طفيفة في عدد الأهداف المسجلة، رغم تساوي المنتخبين في عدة مؤشرات سلبية.

صراع عربي على تفادي المركز الأخير

لم يكن أحد من الجماهير العربية يتوقع قبل انطلاق البطولة أن يتحول الصراع بين تونس والعراق إلى منافسة لتجنب احتلال المركز الأخير في كأس العالم، خاصة أن المنتخبين يمتلكان تاريخًا محترمًا على الساحة القارية ويتمتعان بقاعدة جماهيرية كبيرة.

لكن نتائج الدور الأول وضعت المنتخبين في موقف صعب للغاية، بعدما عجز كل منهما عن تحقيق أي انتصار أو حتى خطف نقطة واحدة خلال مرحلة المجموعات.

ومع نهاية المباريات، تساوى المنتخبان في عدد الأهداف التي استقبلاها، حيث اهتزت شباك كل منتخب 12 مرة خلال ثلاث مباريات فقط، وهو رقم يعكس حجم المعاناة الدفاعية التي عاشها الطرفان أمام منافسين تفوقوا فنيًا وبدنيًا وتكتيكيًا.

غير أن الفارق الحاسم جاء في عدد الأهداف المسجلة، إذ تمكن المنتخب التونسي من تسجيل هدفين خلال البطولة، مقابل هدف واحد فقط للمنتخب العراقي، ليحسم بذلك المركز السابع والأربعين ويبتعد رسميًا عن ذيل الترتيب.

العراق.. مشاركة للنسيان

دخل المنتخب العراقي البطولة بطموحات كبيرة ورغبة في تقديم صورة مشرفة للكرة العراقية، لكنه اصطدم بواقع صعب منذ المباراة الأولى.

ففي افتتاح مشواره بالمونديال، تعرض المنتخب العراقي لهزيمة أمام المنتخب النرويجي بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدف واحد، وهي نتيجة أثارت الكثير من التساؤلات حول جاهزية الفريق للمنافسة في أكبر حدث كروي عالمي.

وفي الجولة الثانية، واجه العراق المنتخب الفرنسي، أحد أبرز المرشحين للتتويج باللقب، لكنه لم يتمكن من مجاراة النسق العالي لـ"الديوك"، ليتلقى خسارة جديدة بثلاثية نظيفة زادت من تعقيد وضعه في المجموعة.

أما المباراة الثالثة والأخيرة، فكانت الأكثر قسوة، بعدما انهار المنتخب العراقي أمام السنغال وخسر بخمسة أهداف دون رد، ليختتم مشاركته بثلاث هزائم متتالية وهدف وحيد مقابل 12 هدفًا في شباكه.

وتسببت هذه الأرقام في احتلال العراق المركز الأخير بين جميع المنتخبات المشاركة، في حصيلة ستدفع الاتحاد العراقي لكرة القدم إلى مراجعة العديد من الملفات الفنية خلال الفترة المقبلة.

تونس.. بداية كارثية وإقالة مبكرة للمدرب

من جهته، لم تكن رحلة المنتخب التونسي أفضل حالًا من نظيره العراقي، بل إن بدايتها كانت صادمة للجماهير التونسية التي كانت تأمل في رؤية منتخبها يحقق نتائج إيجابية في البطولة.

واستهل "نسور قرطاج" مشاركتهم بهزيمة ثقيلة أمام المنتخب السويدي بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، في مباراة كشفت العديد من النقائص على مستوى التنظيم الدفاعي والانسجام بين الخطوط.

ولم تتوقف تداعيات هذه الخسارة عند حدود النتيجة فقط، بل أدت مباشرة إلى اتخاذ قرار بإقالة المدرب صبري لموشي، في محاولة من المسؤولين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال بقية مشوار البطولة.

وسرعان ما تم التعاقد مع المدرب الفرنسي هيرفي رينار، المعروف بخبرته الكبيرة مع المنتخبات الوطنية، حيث أوكلت إليه مهمة قيادة المنتخب في المباراتين المتبقيتين.

رينار لم ينجح في تغيير الواقع

ورغم الآمال التي رافقت وصول هيرفي رينار، فإن التغيير الفني لم ينعكس بشكل واضح على النتائج داخل الملعب.

ففي المباراة الثانية، اصطدم المنتخب التونسي بمنتخب اليابان الذي قدم أداءً قويًا ونجح في تحقيق فوز عريض بأربعة أهداف دون مقابل، ليقضي عمليًا على آمال تونس في مواصلة المشوار.

أما اللقاء الثالث، فقد جمع "نسور قرطاج" بمنتخب هولندا، أحد أقوى المنتخبات الأوروبية في السنوات الأخيرة، وانتهى بخسارة تونس بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.

وبذلك أنهى المنتخب التونسي مشاركته بثلاث هزائم متتالية، مسجلًا هدفين فقط مقابل استقبال 12 هدفًا، وهي حصيلة لا تليق بطموحات الجماهير التي كانت تنتظر ظهورًا أكثر قوة في المونديال.

أرقام تثير القلق قبل الاستحقاقات المقبلة

بعيدًا عن مسألة المركز السابع والأربعين أو الثامن والأربعين، فإن الأرقام المسجلة من المنتخبين التونسي والعراقي تطرح العديد من التساؤلات حول واقع الكرة العربية على المستوى العالمي.

فاستقبال 12 هدفًا خلال ثلاث مباريات يعكس وجود مشاكل واضحة على المستوى الدفاعي، كما أن ضعف الفعالية الهجومية وعدم القدرة على مجاراة المنتخبات الكبرى يؤكد الحاجة إلى مشاريع تطوير طويلة المدى بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

كما أن الخروج دون تحقيق أي نقطة يسلط الضوء على الفجوة التي ما زالت تفصل بعض المنتخبات العربية عن المدارس الكروية المتقدمة في أوروبا وأمريكا الجنوبية وحتى بعض المنتخبات الآسيوية والإفريقية التي حققت تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة.

ماذا بعد المونديال؟

بعد نهاية المشاركة المخيبة، ينتظر المنتخب التونسي مرحلة جديدة من التقييم وإعادة البناء، خاصة في ظل التغييرات الفنية التي شهدها الفريق خلال البطولة. وسيكون على الاتحاد التونسي لكرة القدم اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بمستقبل الجهاز الفني والعديد من اللاعبين قبل الاستحقاقات القادمة.

أما المنتخب العراقي، فسيجد نفسه أمام تحدٍ مماثل، حيث سيكون مطالبًا باستخلاص الدروس من هذه المشاركة الصعبة والعمل على معالجة الأخطاء التي ظهرت بوضوح خلال مباريات كأس العالم.

ورغم أن تونس نجحت في تفادي المركز الأخير رسميًا، فإن الحقيقة تبقى أن المنتخبين غادرا البطولة بنتائج بعيدة كل البعد عن تطلعات جماهيرهما. لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة احتفال بتجنب المركز الأخير، بل مرحلة مراجعة شاملة تهدف إلى بناء منتخبات أكثر قدرة على المنافسة ورفع راية الكرة العربية في المحافل الدولية القادمة.