يبدو أن النادي الرياضي الصفاقسي يعيش واحدة من أهم محطات إعادة البناء خلال السنوات الأخيرة، بعدما دخل في سباق مع الزمن لإغلاق الملفات التي أثقلت كاهله وألقت بظلالها على استقراره الإداري والرياضي. فبعد أشهر من الضغوط القانونية والمالية، بدأت ملامح الانفراج تظهر داخل أسوار نادي عاصمة الجنوب، في وقت تتطلع فيه الجماهير إلى رؤية فريقها يعود إلى مكانته الطبيعية بين كبار الكرة التونسية والقارية.
الهيئة المديرة وضعت خلال الأيام الماضية ملف النزاعات على رأس أولوياتها، مدركة أن أي تأخير في تسوية هذه القضايا قد ينعكس سلبًا على مستقبل الفريق، سواء على مستوى المشاركة في البطولات أو على صعيد الاستقرار داخل المجموعة. ولهذا، جاءت التحركات الأخيرة لتؤكد وجود رغبة حقيقية في إنهاء هذا الملف الشائك وفتح صفحة جديدة مع انطلاق الموسم الرياضي 2026-2027.
وفي هذا السياق، ينتظر أن يقوم النادي، يوم الثلاثاء، بخلاص مستحقات لاعبه السابق وضاح الزايدي، والمقدرة بـ261.729 ألف دينار، بعد أن تمسك اللاعب بالحصول على كامل مستحقاته دفعة واحدة، وهو ما دفع الهيئة إلى توفير المبلغ المطلوب من أجل إنهاء الملف بصورة نهائية، ووضع حد لأحد أبرز النزاعات التي رافقت الفريق خلال الفترة الماضية.
ولم يكن هذا التحرك سوى حلقة جديدة في سلسلة من الخطوات التي باشرتها الإدارة، إذ نجحت قبل ذلك بساعات في التوصل إلى اتفاق مع اللاعب السابق أمان الله الحبوبي، يقضي بخلاص مستحقاته، المقدرة بـ164.297 ألف دينار، عبر جدول زمني يعتمد نظام التقسيط، تنفيذًا للحكم القضائي النهائي الصادر لفائدته.
ويعكس هذا الاتفاق مرونة من الطرفين، كما يمنح النادي متنفسًا ماليًا مهمًا، خاصة أن اللجوء إلى التقسيط يسمح بتوزيع الأعباء المالية دون التأثير بشكل كبير على الميزانية المخصصة للتحضيرات والانتدابات.
ومع إغلاق ملفي الحبوبي والزايدي، لن يبقى أمام النادي سوى ملف واحد على الصعيد المحلي، يتعلق بمستحقات جمعية سكك الحديد الصفاقسي، والمقدرة بحوالي 860 ألف دينار، والخاصة بمناب الجمعية من صفقة انتقال المدافع علاء غرام إلى نادي شاختار دونيتسك الأوكراني.
ويحمل هذا الملف أهمية استثنائية، لأن تسويته تعني رفع جميع العراقيل القانونية التي كانت تحول دون مشاركة النادي في الموسم الجديد، سواء في بطولة الرابطة المحترفة الأولى أو في كأس الكونفدرالية الإفريقية، وهي المسابقة التي يطمح خلالها النادي الصفاقسي إلى استعادة بريقه القاري بعد سنوات من الغياب عن المنافسة على الأدوار المتقدمة.
لكن العمل داخل أسوار النادي لا يقتصر على النزاعات فقط، إذ حرصت الهيئة المديرة في الوقت نفسه على معالجة الملفات الداخلية المتعلقة باللاعبين الحاليين، حيث قامت بتحويل دفعة جديدة من المستحقات المالية، شملت رواتب أشهر فيفري ومارس وأفريل.
وتحمل هذه الخطوة رسائل إيجابية داخل المجموعة، خصوصًا أن صرف المستحقات في هذا التوقيت يساهم في توفير أجواء مستقرة قبل انطلاق التحضيرات، ويعزز ثقة اللاعبين في المشروع الجديد الذي تعمل الإدارة على بنائه.
ولا تزال هناك رواتب شهري ماي وجوان في انتظار التسوية، غير أن إدارة النادي تبدو واثقة من قدرتها على خلاصها فور دخول موارد مالية جديدة إلى خزينة الفريق، سواء عبر عائدات بعض الصفقات أو من خلال المستشهرين والداعمين.
وفي الجانب الفني، يستعد النادي الصفاقسي للدخول رسميًا في أجواء الموسم الجديد، حيث يقود المدرب نبيل الكوكي أول حصة تدريبية مساء الثلاثاء، إيذانًا بانطلاق مرحلة يأمل خلالها الفريق في استعادة شخصيته المعروفة، والعودة إلى المنافسة على الألقاب المحلية، مع تقديم صورة مشرفة في المسابقات القارية.
ويُعوّل الكوكي على فترة الإعداد لوضع أسس مشروعه الفني، من خلال رفع الجاهزية البدنية للاعبين، واختيار التشكيلة التي سيعتمد عليها، فضلًا عن منح الفرصة للعناصر الشابة والوافدين الجدد لإثبات جدارتهم بحجز مكان في المجموعة.
ومن المنتظر أن يدخل الفريق خلال الأسبوع المقبل في تربص تحضيري خارج مدينة صفاقس، يتخلله برنامج بدني وفني مكثف، إضافة إلى سلسلة من المباريات الودية التي ستساعد الإطار الفني على تقييم جاهزية اللاعبين قبل ضربة البداية الرسمية للموسم.
كما حرصت إدارة النادي على توفير إطار فني متكامل، يضم إلى جانب نبيل الكوكي كلًا من كريم النفطي ونادر الهبيري كمساعدين، وقيس الغطاسي معدًا بدنيًا، يساعده بلال بن سعادة، فيما يشرف وليد بن حسين على تدريب الحراس، ويتولى حسام بوصرصار متابعة المباريات وتحليل الأداء والإحصائيات.
ويرى متابعون أن نجاح النادي الصفاقسي في إنهاء هذه الملفات سيكون نقطة تحول حقيقية في مسار الفريق، خاصة أن الأندية التي تنعم بالاستقرار الإداري والمالي تكون أكثر قدرة على التركيز داخل المستطيل الأخضر وتحقيق نتائج إيجابية.
وتنتظر جماهير "السي آس آس" أن تترجم هذه التحركات إلى واقع ملموس، سواء من خلال إتمام بقية الملفات العالقة، أو عبر تدعيم الرصيد البشري بانتدابات قادرة على تقديم الإضافة، حتى يتمكن الفريق من استعادة مكانته بين كبار الكرة التونسية.
وبين سباق تسوية النزاعات، وصرف المستحقات، وانطلاق التحضيرات، تبدو الرسالة واضحة داخل النادي الصفاقسي: طي صفحة الماضي بكل ما حملته من أزمات، والانطلاق نحو موسم جديد بطموحات كبيرة، عنوانها الاستقرار أولًا، ثم العودة إلى منصات التتويج محليًا واستعادة الهيبة قارّيًا.





